أبو حامد الغزالي

212

تهافت الفلاسفة

مسألة في إبطال قولهم إن نفوس السماوات مطلعة على جميع الجزئيات الحادثة في هذا العالم ، وأن المراد باللوح المحفوظ ، نفوس السماوات ، وأن انتقاش جزئيات العالم فيها يضاهى انتقاش المحفوظات ، في القوة الحافظة ، المودعة في دماغ الإنسان ، لا أنه جسم صلب عريض ، مكتوبة عليه الأشياء ، كما يكتب الصبيان على اللوح ، لأن تلك الكتابة ، تستدعى كثرتها ، اتساع المكتوب عليه ، وإذا لم يكن للمكتوب نهاية ، لم يكن للمكتوب عليه نهاية ، ولا يتصور جسم لا نهاية له ، ولا تمكن خطوط لا نهاية لها ، على جسم ، ولا يمكن تعريف أشياء ، لا نهاية لها ، على جسم بخطوط معدودة * * * وقد زعموا : أن الملائكة السماوية ، هي نفوس السماوات ، وأن الملائكة الكروبين المقربين ، هي العقول المجردة ، التي هي جواهر قائمة بأنفسها ، لا تتحيز ، ولا تتصرف في الأجسام ، وأن هذه الصور الجزئية ، تفيض على النفوس السماوية منها ، وهي « 1 » أشرف من الملائكة السماوية ، لأنها مفيدة ، وهذه مستفيدة ، والمفيد أشرف من المستفيد ، ولذلك عبّر عن الأشرف ب « القلم » ، فقال تعالى : « عَلَّمَ بِالْقَلَمِ » لأنه كالنقّاش المفيد ، مثّل المعلّم بالقلم ، وشبّه المستفيد باللوح ، هذا مذهبهم . والنزاع في هذه المسألة ، يخالف النزاع فيما قبلها ، فإن ما ذكروه من قبل ، ليس محالا ، إذ منتهاه كون السماء حيوانا متحركا لغرض ، وهو ممكن ، أما هذه

--> ( 1 ) يعنى الملائكة الكروبين .